أبي هلال العسكري

35

تصحيح الوجوه والنظائر

الثامن : أمة كل رسول ؛ يعني : من بعث إليه الرسل من أمثال عاد ، وثمود ، وقوم لوط ؛ وهو قوله تعالى : ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها * [ سورة الحجر آية 5 ، المؤمنون 43 ] ، يعني : من هذه الأمم لم تسبق أجلها في العذاب . وقوله تعالى : وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ [ سورة فاطر آية 24 ] . يعني : الأمة من هذه الأمم ؛ لأن الفرس والسند والهند والزنج أمم ولم يبعث فيها نذير ، وإنما كانوا متعبدين بتصديق من بعث في غيرهم من الأنبياء ، على حسب ما يعبدوا بتصديق محمد صلى اللّه عليه وآله ، ولم يبعث فيهم . التاسع : قوله : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [ سورة آل عمران آية 110 ] . يعني : أمة محمد صلّى اللّه عليه وآله خاصة . وقوله تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [ سورة البقرة آية 143 ] . أي : عدلا . وهو من واسطة القلادة ، وليس من قولهم : هذا شيء وسط . إذا كان بين العالي والمنحط ، ومنه قول النبي صلّى اللّه عليه وعلى آله : " أنا أوسط قريش نسبا " . وله وجه آخر : وهو أن الوسط : العدل ، وسمي بذلك ؛ لأنه بين غلو الغالي وتقصير المقصر « 1 » .

--> ( 1 ) وأما " الوسط " ، فإنه في كلام العرب الخيار . يقال منه : " فلان وسط الحسب في قومه " ، أي متوسط الحسب ، إذا أرادوا بذلك الرفع في حسبه ، و " هو وسط في قومه ، وواسط " ، كما يقال : " شاة يابسة اللبن ويبسة اللبن " ، وكما قال جل ثناؤه : فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً [ سورة طه : 77 ] ، وقال زهير بن أبي سلمى في " الوسط " : هم وسط ترضى الأنام بحكمهم * إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم قال أبو جعفر : وأنا أرى أن " الوسط " في هذا الموضع ، هو " الوسط " الذي بمعنى : الجزء الذي هو بين الطرفين ، مثل " وسط الدار " محرّك الوسط مثقّله ، غير جائز في " سينه " التخفيف . وأرى أن اللّه تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم " وسط " ، لتوسطهم في الدين ، فلا هم أهل غلوّ فيه ، غلوّ النصارى الذين غلوا بالترهب ، وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه - ولا هم أهل تقصير فيه ، تقصير اليهود الذين بدّلوا كتاب اللّه ، وقتلوا أنبياءهم ، وكذبوا على ربهم ، وكفروا به ؛ ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه فوصفهم اللّه بذلك ، إذ كان أحبّ الأمور إلى اللّه أوسطها . وأما التأويل ، فإنه جاء بأن " الوسط " العدل . وذلك معنى الخيار ، لأن الخيار من الناس عدو لهم .